المنجي بوسنينة
492
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
حفظ أبو المحاسن القرآن في صغره ، ودرس الفقه والكلام والنحو والأدب وعلم الهيئة ( علم الفلك ) على جماعة من أعلام هذا العصر منهم ابن حجر العسقلاني ( ت 852 ه / 1448 م ) ، وبدر الدين العيني ( ت 855 ه ) ، وشهاب الدين بن عربشاه ( ت 854 ه ) . غير أنه شغف بالتاريخ منذ حداثته . وكان من حسن طالعه أن درس على المقريزي أعظم مؤرخي عصره ، وصادقه ولازمه ، واقتبس من مناهجه وأساليبه في البحث والرواية . ودرس التاريخ أيضا على العيني المذكور آنفا . ولم يغادر مصر إلّا للحج سنة 863 ه / 1458 م . وكانت حياة ابن تغري بردي الناعمة الهادئة ، ونشأته في حجر الإمارة والجاه والثراء ، واتصاله بالمصاهرة والصداقة مع رجالات الدولة وكبراء البلاط ، من أهم العوامل التي ساعدته على إطلاق العنان لشغفه بالبحث والدرس ، والانقطاع إلى التنقيب والكتابة ، وتعرف الشؤون والنظم ، والوقوف على أسرار الدولة والبلاط في عصره ، الذي تعاقب فيه على عرش مصر أكثر من عشرة سلاطين . وقد استقى أبو المحاسن من هذه النشأة ذاتها ، بعض خلاله ومواهبه ، وصفه السخاوي رغم حملته عليه ، بأنه « كان حسن العشرة ، تام العقل والسكون ، لطيف المذاكرة » . ووصفه تلميذه وصديقه أحمد بن حسين التركماني بأنه « نادرة الزمان ، وعين الأعيان ، وعمدة المؤرخين ، . . . لاختباري ما اشتمل عليه من المحاسن التي لم توجد في مثله من أبناء عصره ، من لطف المحاضرة ، وفكاهة المنادمة ، والعقل التام ، وكرامة الأصالة الكريمة ، والحرمة الوافرة ، والعظمة الزائدة ، وحسن الخلق ، وبشاشة الوجه ، وحسن الملتقى » . وكان يتقن الفنون الأميرية التي كانت ذائعة في عصره فكان بارعا في الفروسية وألعابها ، وكان موسيقيا بارعا في النغم والضرب والإيقاع . كما كان يكتب الشعر أحيانا ، ومن نظمه في الغزل قوله : طرفه الأحمر زاه شاقني * وبه قد ضاع علمي بالوسن جوره عدل علينا في الهوى * كلّ فعل منه لي فهو حسن وكان يجيد اللغة التركية وهي لغة البلاط والخاصة والقادة يومئذ ، واستطاع بذلك أن ينفذ إلى دقائق الدولة ، والسياسة ، وأن يفهم نفسية هذا البلاط ، وأن يتعرف أحوال طوائف المماليك المختلفة ، التي كانت تموج بها مصر يومئذ . ومعرفته التامة باللغة التركية أتاحت له فهما صحيحا وتفسيرا دقيقا لكثير من الحوادث ومجريات الأمور في العصر المملوكي ، وقد امتاز في ذلك عن زملائه من كبار مؤرخي مصر المملوكية ، حتّى أستاذه المقريزي الذي لم يكن يعرف اللّغة التركية . وقد عاش ابن تغري بردي في عصر حافل بالسلاطين وعاصر أكثر من عشرة سلاطين ، من عهد الملك الناصر فرج إلى عهد الملك الأشرف قايتباي ، وشهد أكثر من ثورة سياسية ، وأكثر من محنة عامة . وفي أواخر حياته انقض الوباء على مصر ، فحمل من أهلها مئات الألوف ، وأصيب مؤرخنا نفسه بالوباء حسبما يذكر في النجوم الزاهرة ، ولكنه نجا . وقد ظل أبو المحاسن يمارس نشاطه العلمي ، ويواصل مباحثه التاريخية ، على مدى